ابن عجيبة

333

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : أصل نشأة البشرية من الطين ، وأصل الروح من نور رب العالين . فإذا غلبت الطينة على الروح جذبتها إلى عالم الطين ، فكان همها الطين ، وهوت إلى أسفل سافلين ، فلا تجد فكرتها وحديثها ، في الغالب ، إلا في عالم الحس ، ويكون عملها كله عمل الجوارح ، يفنى بفنائها . وإذا غلبت الروح على الطينة ؛ وذلك بدخول مقام الفناء ، حتى تستولى المعاني على الحسيات . وتنخنس البشرية تحت سلطان أنوار الحقيقة ، جذبتها إلى عالم الأنوار والأسرار ، فلا تجد فكرتها إلا في أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وعملها كله قلبي وسرى ، بين فكرة واعتبار ، وشهود واستبصار ، يبقى مع الروح ببقائها ، يجرى عليها بعد موت البشرية ، ويبعث معها ، كما تقدم في الحديث : ( يموت المرء . . . ) إلخ . قال القشيري : يقال : الأصل تربة ، ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة . ه . قلت : إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية ، ثم قال : اصطفى الكعبة ، فهي خير من الجنة ، مع أن الجنة جواهر ويواقيت ، والكعبة حجر ومدر ، أي : كذلك المؤمن الكامل ، وإن كان أصله من الطين ، فهو أفضل من كثير من العوالم اللطيفة . ثم قال في قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً . . الآية : ردّ المثل إلى المثل ، وربط الشكل بالشكل ، وجعل سكون البعض إلى البعض ، وذلك للأشباح والصّور ، والأرواح صحبت الأشباح ؛ كرها لا طوعا ، وأما الأسرار فمعتقة ، لا تساكن الأطلال ، ولا تتدنس بالأغيار . ه . قلت : وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية ، لا روحانية ، ولا سرية ؛ إذ الروح والسر لا يتصور منهما ميل إلى غير أسرار الذات العلية ؛ إذ محبة الحق جذبتها عن الميل إلى شئ من السّوى . واختلف الصوفية : هل تخلّ هذه المودة التي بين الزوجين بمحبة الحق ، أم لا ؟ فقال سهل رضي اللّه عنه : لا تضر الروح ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إلىّ من دنياكم ثلاث . . » « 1 » فذكر النساء ، إذا كان على وجه الشفقة والرحمة ، لا على غلبة الشهوة . وعلامة محبة الشفقة : أنه لا يتغير عند فقدها ، ولا يحزن بفواتها . وهذا هو الصحيح . واللّه تعالى أعلم . « 2 » [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 22 إلى 25 ] وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 )

--> ( 1 ) لفظ « ثلاث » لم يرد - مطلقا في روايات الحديث الصحيحة . قال الحافظ ابن حجر : وليس في شئ من طرقه « لفظ ثلاث » وراجع تخريج هذا الحديث الشريف عند إشارة الآية 45 من سورة العنكبوت . ( 2 ) انظر : مجمع الأمثال للميدانى 1 / 129 .